ياقوت الحموي

541

معجم البلدان

وقيل يوما للمأمون : إن دعبلا هجاك ، فقال : من جسر أن يهجو أبا عباد مع عجلته وسرعة انتقامه جسر أن يهجوني أنا مع أناتي وعفوي ، وبهذا الدير كانت قصة المبرد ، وهي رواية الخالدي ، قال المبرد : اجتزت بدير هزقل فقلت لأصحابي أحب النظر إليه فاصعدوا بنا ، فدخلنا فرأينا منظرا حسنا وإذا في بعض بيوته كهل مشدود حسن الوجه عليه أثر النعمة فدنونا منه وسلمنا عليه فرد علينا السلام وقال : من أين أنتم ؟ قلنا : من البصرة ، قال : فما أقدمكم هذا البلد الغليظ هواؤه الثقيل ماؤه الجفاة أهله ؟ قلنا : طلب الحديث والأدب ، قال : حبذا ! تنشدوني أو أنشدكم ؟ فقلنا : أنشدنا ، فقال : الله يعلم أنني كمد ، لا أستطيع أبث ما أجد روحان لي ، روح تضمنها بلد ، وأخرى حازها بلد وأرى المقيمة ليس ينفعها صبر وليس يضرها جلد وأظن غائبتي كشاهدتي بمكانها تجد الذي أجد ثم أغمي عليه فتركناه وانصرفنا ، فأفاق وصاح بنا فعدنا إليه وقال : تنشدوني أو أنشدكم ؟ قلنا : أنت أنشدنا ، فقال : لما أناخوا ، قبيل الصبح ، عيسهم ، وثوروها فثارت بالهوى الإبل وأبرزت من خلال السجف ناظرها ترنو إلي ودمع العين ينهمل وودعت ببنان خلته عنما ، فقلت : لا حملت رجلاك يا جمل ويلي من البين ما ذا حل بي وبها من نازح الوجد حل البين فارتحلوا إني على العهد لم أنقض مودتكم ، يا ليت شعري بطول العهد ما فعلوا ؟ فقال له فتى من المجان كان معنا : فماتوا ! قال له : أفأموت أنا ؟ قال : مت راشدا ، فتمطى وتمدد ومات ، فما برحنا حتى دفناه ، وبهذا الدير كانت قصة أبي الهذيل العلاف . دير هند الصغرى : بالحيرة يقارب خطة بني عبد الله ابن دارم بالكوفة مما يلي الخندق في موضع نزه ، وهو دير هند الصغرى بنت النعمان بن المنذر المعروفة بالحرقة ، قال هشام الكلبي : كان كسرى قد غضب على النعمان بن المنذر فحبسه فأعطت بنته هند عهدا لله إن رده الله إلى ملكه أن تبني ديرا تسكنه حتى تمون ، فخلى كسرى عن أبيها النعمان فبنت الدير وأقامت به إلى أن ماتت ودفنت فيه ، وهي التي دخل عليها خالد بن الوليد ، رضي الله عنه ، لما فتح الحيرة فسلمت عليه ، فقال لها لما عرفها : أسلمي حتى أزوجك رجلا شريفا مسلما ، فقالت له : أما الدين فلا رغبة لي فيه غير دين آبائي ، وأما التزويج فلو كانت في بقية لما رغبت فيه فكيف وأنا عجوز هرمة أترقب المنية بين اليوم وغد ! فقال : سليني حاجة ، فقالت : هؤلاء النصارى الذين في ذمتكم تحفظونهم ، قال : هذا فرض علينا أوصانا به نبينا محمد ، صلى الله عليه وسلم ، قالت : ما لي حاجة غير هذا فإني ساكنة في هذا الدير الذي بنيته ملاصقا لهذه الأعظم البالية من أهلي حتى ألحق بهم ، قال : فأمر لها بمعونة ومال وكسوة ، قالت : أنا في غنى عنه ، لي عبدان يزرعان مزرعة لي أتقوت بما